رفيق العجم
197
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
في الثقة بالوكيل الحق ، وقطع الالتفات إلى غيره ، فاعلم ، أن فيه ثلاث درجات : إحداها ما ذكرناه ، وهو كالثقة بالوكيل في الخصومة ، بعد اعتقاد كماله في الهداية والقدرة والشفقة . الثانية ، وهي أقوى منها ، تضاهي حالة الصبيّ في ثقته بأمه ، وفزعه إليها في كلّ ما يصيبه ، وذلك لثقته بشفقتها وكفالتها . ولكنه في توكّله فان عن توكلّه فإنه ليس يحصله بفكر وكسب ، وإن كان لا يخلو توكّله عن نوع إدراك . وأما التوكّل على الوكيل بالخصومة ، فكالمكتسب بالفكر والنظر . والثالثة : وهي الأعلى ، أن يكون بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي الغاسل ، لا كالصبي ، فإنه يزعق بأمه ويتعلّق بذيلها ، بل هذا كالصبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فإنها تطلبه ، وإن لم يتعلّق بذيلها فهي تحمله ، وإن لم يسألها اللبن فهي تبتدئ بإرضاعه ، فيكون هذا الشخص في حقّ اللّه عزّ وجلّ ساقط الاختيار ، لعلمه بأنه مجرى القدر فلا يبقى فيه متّسع لغير الانتظار لما يجري عليه . ( أر ، 185 ، 12 ) - قد يظنّ الجهّال أن شرط التوكّل ترك الكسب ، وترك التداوي ، والاستسلام للمهلكات . وذلك خطأ ، لأن ذلك حرام في الشرع ، والشرع قد أثنى على التوكّل ، وندب إليه فكيف ينال ذلك بمحظوره . وتحقيقه أنّ سعي العبد لا يعدو أربعة أوجه : وهو جلب ما ليس بموجود من المنفعة ، أو حفظ الموجود ، أو دفع الضرر كي لا يحصل أو قطعه كي يزول . ( أر ، 186 ، 9 ) - التوكّل هو أن تستحكم اعتقادك باللّه تعالى فيما وعد يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة ، وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه عنك . وما لم يكتب لن يصل إليك وإن ساعدك جميع العالم . ( أو ، 69 ، 7 ) - أما التوكّل : فهو الاعتماد على اللّه سبحانه عند الحاجة ، والاستناد إليه مع الضرورة ، والثقة به عند النازلة ، مع سكون النفس وطمأنينة القلب . فالمتوكّلون على ربهم علموا أنه المقدر . والأسباب تحت حكم الخالق المدبّر ، لا يركنون لآباء ولا أبناء ولا أموال ولا صنائع ، بل صرفوا بهديه جميع الأمور إليه ، ولم يعتمدوا في حال من الأحوال إلّا عليه . ( قل ، 102 ، 13 ) - العوارض الأربعة ، فاحتاج إلى قطعها بأربعة أشياء : التوكّل على اللّه سبحانه وتعالى في موضع الرزق ، والتفويض إليه جلّ وعزّ في موضع الخطر ، والصبر عند نزول الشدائد والرضا عند نزول القضاء . ( عب ، 4 ، 27 ) - التوكّل اسم مطلق في ثلاثة مواضع : أحدها في موضع القسمة وهو الثقة باللّه لأنه لا يفوتك ما قسم لك فإن حكمه لا يتبدّل وهذا واجب بالسمع . والثاني في موضع النصرة وهو الاعتماد والوثاقة بنصر اللّه عزّ وجلّ لك إذا نصرته وجاهدت قال اللّه تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( آل عمران : 159 ) . . . والثالث في موضع